هيرمينوطيقا الاستشراق: أدوات فهم وتأويل برنارد لويس للإسلام
الملخص
يشكل البحث في طبيعة الخطاب الاستشراقي واحدا من المسالك المركزية لفهم كيفية تشكل صورة الإسلام في الوعي الغربي الحديث، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالقراءات التي تتوسل أدوات تفسيرية تتجاوز الظاهر النصي إلى بنياته العميقة ودلالاته الباطنة. وفي هذا السياق يبرز اسم برنارد لويس (Bernard Lewis 1916-2018) بوصفه أحد أبرز ممثلي المدرسة التاريخية التحليلية في الاستشراق المعاصر، إذ أسهمت كتاباته في تشكيل أطر معرفية وتأويلية ما تزال مؤثرة في السياسات الثقافية والفكرية الغربية.
غير أن طريقة لويس في تفسير الظواهر الإسلامية أثارت جدلا واسعا، لأنها لا تنطلق من الحياد المنهجي، بل من منظومة تأويلية خاصة تمنح المعنى وفق تصور مسبق عن الإسلام وطبيعته ووظيفته الحضارية. وهذا ما يجعل السؤال عن “الهيرمينوطيقا” الكامنة وراء أعماله سؤالا ملحا لفهم بنيته الفكرية وأثره المعرفي.
تتجلى إشكالية هذا البحث في محاولة الكشف عن طبيعة الهيرمينوطيقا التي اعتمدها لويس في قراءته للإسلام: هل هي هيرمينوطيقا تعنى بالفهم التاريخي المحايد، أم أنها تتأسس على تصورات مسبقة تجعل التأويل أداة لإعادة تشكيل المعنى بما يخدم رؤية مخصوصة عن الشرق؟ ومن هذا السؤال يتفرع سؤال آخر عن علاقة هذه الهيرمينوطيقا بالمجال الفلسفي الواسع حول مفهوم التأويل، حيث شهد المفهوم نفسه تطورا كبيرا من التحليل اللغوي واللاهوتي إلى التأويل الوجودي عند شلايرماخر ثم إلى الهيرمينوطيقا الحوارية عند غادامر والتراثية عند ريكور، وهي مسارات جعلت مفهوم الهيرمينوطيقا متعدد الدلالات بين الفهم والتفسير والنقد والاشتباه. ويهدف هذا البحث إلى رصد هذه السياقات المعرفية الكبرى، ثم تحديد الموقع الذي يمكن أن ندرج فيه هيرمينوطيقا لويس.
يعتمد البحث أساسا على المنهج الوصفي الاستقرائي، من خلال قراءة نصوص لويس وتتبع أدواته التأويلية، دون الانشغال بنقد الاستشراق في عمومه إلا بقدر ما يخدم فهم آليات القراءة عنده.
ويرتكز البحث على الفرضية الآتية: أن لويس لا يشتغل ضمن الهيرمينوطيقا الكلاسيكية أو الفلسفية، بل يوظف مجموعة أدوات تأويلية انتقائية تضفي على الظواهر الإسلامية معاني أحادية ناجمة عن رؤية تاريخية مسبقة، كما ينطلق البحث من فرضية ثانية مفادها أن تأويل لويس للإسلام يرتبط بنموذج معرفي مخصوص في الفكر الغربي يفيد إنتاج ثنائية “الشرق/الغرب” داخل النصوص والدلالات.
وتستند هذه الدراسة إلى كتب برنارد لويس، وعدد من الكتابات السابقة التي تناولت نقد الاستشراق، مثل أنور عبد الملك، وأعمال إدوارد سعيد، وعدد من الدارسين الغربيين الذين أشاروا إلى الطابع الإيديولوجي لتأويل الاستشراق الكلاسيكي، غير أن هذه القراءات لم تتناول بشكل مباشر البنية التأويلية العميقة التي توجه قراءات برنارد لويس. ولهذا يسعى البحث الراهن إلى سد هذه الثغرة من خلال تحليل البنية التأويلية عند لويس عبر نصوصه الأصلية. وتأتي خطة البحث منسجمة مع هذه المقاربة: إذ نبدأ أولا بتحليل مفهوم الهيرمينوطيقا والجدل الدلالي حوله، ثم ننتقل إلى تتبع الأدوات التأويلية التي اعتمدها لويس في تفسير الإسلام، وصولا إلى خاتمة تستخلص أهم نتائج الدراسة.
المراجع
